AI بالعربي – متابعات
تفرض موجات الحر المتكررة تحديًا جديدًا على مستقبل الذكاء الاصطناعي، بعدما أصبحت مراكز البيانات التي تشغّل نماذج الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية أكثر عرضة لضغوط الحرارة والطاقة والمياه.
وتعتمد هذه المراكز على آلاف الخوادم والمعالجات فائقة الأداء، التي تعمل على مدار الساعة. وتحتاج هذه المعدات إلى أنظمة تبريد قوية للحفاظ على استقرار الأداء. ومع ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، لم يعد التبريد مجرد تفصيل هندسي، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في استدامة الذكاء الاصطناعي وتكلفة تشغيله.
موجات الحر تضغط على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي
تؤثر موجات الحر مباشرة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، لأنها ترفع حرارة البيئة المحيطة بهذه المنشآت. وتحتاج أنظمة التبريد في هذه الحالة إلى طاقة أكبر للحفاظ على درجات حرارة آمنة داخل غرف الخوادم.
وتختلف مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي عن مراكز البيانات التقليدية. فهي تعتمد بكثافة على وحدات معالجة الرسومات “GPU” ومعالجات متخصصة، تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء أثناء تدريب النماذج وتشغيلها.
وتتحول نسبة كبيرة من الطاقة المستخدمة داخل هذه الشرائح إلى حرارة. لذلك يجب التخلص من هذه الحرارة بسرعة، حتى لا تتأثر سلامة المعدات أو استقرار الخدمات الرقمية.
لماذا يزيد الذكاء الاصطناعي حرارة مراكز البيانات؟
يزيد الذكاء الاصطناعي حرارة مراكز البيانات بسبب الاعتماد المتزايد على المعالجات عالية الكفاءة. وتعمل هذه المعالجات بكثافة كبيرة عند تدريب النماذج وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتنتج هذه العمليات حرارة مرتفعة داخل المنشآت الرقمية. وكلما زاد حجم النماذج والبيانات، ارتفع استهلاك الطاقة، وزادت الحاجة إلى أنظمة تبريد أكثر قوة.
ولهذا السبب، أصبحت أنظمة التبريد جزءًا أساسيًا من تصميم مراكز البيانات الحديثة. وفي بعض الحالات، تستهلك هذه الأنظمة نسبة كبيرة من إجمالي الطاقة المستخدمة داخل المنشأة.
موجات الحر تجعل التبريد أكثر صعوبة
تعتمد أنظمة التبريد في الظروف الطبيعية على فرق الحرارة بين داخل مركز البيانات والهواء الخارجي أو مصادر المياه. ويساعد هذا الفرق على التخلص من الحرارة بكفاءة.
لكن أثناء موجات الحر، ترتفع حرارة الهواء والمياه معًا. وتفقد أنظمة التبريد جزءًا من كفاءتها، ما يدفع الضواغط والمبردات إلى العمل بطاقة أعلى.
ويؤدي ذلك إلى زيادة استهلاك الكهرباء، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتراجع كفاءة استخدام الطاقة “PUE”. كما قد ترتفع الانبعاثات الكربونية في المناطق التي تعتمد على الوقود الأحفوري لتوليد الكهرباء.
الكهرباء تتحول إلى نقطة ضعف في البنية الرقمية
تضع موجات الحر شبكات الكهرباء تحت ضغط مزدوج. ففي الوقت الذي تحتاج فيه مراكز البيانات إلى طاقة إضافية للتبريد، يستخدم ملايين الأشخاص أجهزة التكييف في المنازل والمباني.
ويرفع هذا التزامن الطلب على الكهرباء إلى مستويات قياسية. وقد يهدد ذلك قدرة الشبكات على تلبية الاحتياجات المتزايدة، خاصة في فترات الذروة الصيفية.
وبدأت بعض الجهات المشغلة للشبكات الكهربائية في الولايات المتحدة دراسة آليات للتعامل مع كبار المستهلكين. وتشمل هذه الآليات إلزام مراكز البيانات بالتحول إلى مصادر طاقة احتياطية عند ارتفاع الضغط على الشبكة.
المياه تدخل معادلة تشغيل الذكاء الاصطناعي
تمثل المياه عنصرًا مهمًا في تشغيل جزء كبير من مراكز البيانات. وتستخدم بعض المنشآت أنظمة التبريد التبخيري أو التبريد السائل للمساعدة في التخلص من الحرارة.
لكن موجات الحر غالبًا ما تتزامن مع الجفاف أو نقص الموارد المائية. ويجعل ذلك تشغيل أنظمة التبريد المعتمدة على المياه أكثر تعقيدًا.
وتوضح “Google” أن تصميم أنظمة التبريد يختلف وفق ظروف كل منطقة. ففي المناطق التي تعاني شحًا مائيًا، يجري التوسع في التبريد الهوائي أو دوائر المياه المغلقة. أما المناطق الغنية بالمياه، فقد تستفيد من الأنظمة التبخيرية لأنها تقلل استهلاك الكهرباء.
وتكشف هذه المعادلة تحديًا واضحًا. فتقليل استهلاك المياه قد يرفع استهلاك الطاقة، بينما قد يؤدي خفض استهلاك الكهرباء إلى زيادة الاعتماد على المياه.
حوادث 2022 كشفت هشاشة مراكز البيانات أمام الحرارة
لم تعد مخاطر الحرارة مجرد احتمالات مستقبلية. ففي صيف عام 2022، تعرضت مراكز بيانات تستخدمها “Google” و”Oracle” في لندن لاضطرابات تشغيلية.
وجاءت هذه الاضطرابات بعد تجاوز درجات الحرارة مستوى 40 درجة مئوية. ولم تتمكن بعض أنظمة التبريد من التعامل مع الظروف غير المسبوقة، ما أدى إلى توقف بعض الخدمات الرقمية.
كما شهد أحد مراكز بيانات منصة “X” في كاليفورنيا حادثة مرتبطة بالحرارة المرتفعة. وتكشف هذه الوقائع أن البنية الرقمية العالمية أصبحت أكثر ارتباطًا بالمناخ مما كان يُعتقد سابقًا.
تأثيرات مراكز البيانات تمتد إلى البيئة المحيطة
لا تقتصر أزمة الحرارة على داخل مراكز البيانات فقط. فقد أشارت أبحاث حديثة إلى أن هذه المنشآت قد تؤثر في حرارة المناطق المحيطة بها.
وقادت جامعة كامبريدج البريطانية دراسة وجدت أن درجات حرارة سطح الأرض حول مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ترتفع في المتوسط بنحو درجتين مئويتين. وسجلت الدراسة زيادات وصلت إلى 9 درجات في بعض المواقع.
وأطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم “جزيرة حرارة البيانات”. ورغم أن النتائج ما زالت قيد المتابعة العلمية، فإنها توضح حجم الطاقة الحرارية التي تنتجها مراكز البيانات الضخمة.
شركات التكنولوجيا تبحث عن تبريد أكثر كفاءة
تتعامل شركات التكنولوجيا مع التبريد باعتباره عاملًا رئيسيًا في مستقبل الذكاء الاصطناعي. ولم تعد المسألة تتعلق فقط ببناء نماذج أكبر، بل بتشغيلها داخل بنية تحتية قابلة للاستمرار.
وتتجه الشركات إلى التبريد السائل بدل الاعتماد الكامل على الهواء. كما تتوسع في استخدام دوائر مياه مغلقة لتقليل استهلاك المياه.
وتعمل شركات أخرى على تقنيات تبريد دقيقة تصل مباشرة إلى الشرائح الإلكترونية. ويجري أيضًا استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه لإدارة أنظمة التبريد وتحسين كفاءتها.
واستخدمت “Google” تقنيات التعلم الآلي لتحسين إدارة أنظمة تبريد مراكز بياناتها. وتعمل “Microsoft” على حلول متقدمة مثل الموائع الدقيقة “Microfluidics” وأنظمة التبريد المغلقة، لتقليل استهلاك المياه بصورة كبيرة.
المناخ يعيد رسم خريطة مراكز البيانات
بدأت شركات عالمية في إعادة النظر في مواقع إنشاء مراكز البيانات الجديدة. ولم يعد القرب من المدن الكبرى أو شبكات الإنترنت هو العامل الوحيد في اختيار الموقع.
دخلت عوامل المناخ ضمن حسابات الاستثمار. وتشمل هذه العوامل درجات الحرارة السنوية، وتوافر المياه، واستقرار شبكة الكهرباء، ومخاطر الحرائق والجفاف.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن أكثر من نصف القدرة العالمية لمراكز البيانات تقع في مناطق معرضة لارتفاع الحرارة أو شح المياه. ويجعل ذلك التخطيط المناخي عنصرًا أساسيًا في مستقبل البنية التحتية الرقمية.
لماذا تهدد موجات الحر مستقبل الذكاء الاصطناعي؟
تهدد موجات الحر مستقبل الذكاء الاصطناعي لأنها ترفع تكلفة تشغيل مراكز البيانات، وتزيد الطلب على الكهرباء، وتضغط على موارد المياه. كما قد تؤثر في استقرار الخدمات الرقمية عند تجاوز أنظمة التبريد حدودها التشغيلية.
وتتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي بسرعة، ما يزيد الحاجة إلى مراكز بيانات أكبر وأكثر كثافة في استهلاك الطاقة. وفي عالم يزداد سخونة، تصبح القدرة على التبريد شرطًا أساسيًا لاستمرار هذا التوسع.
ويؤكد هذا التحول أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على الخوارزميات فقط. بل يعتمد أيضًا على الكهرباء، والمياه، والموقع الجغرافي، وكفاءة التبريد.
التبريد يتحول إلى عامل إستراتيجي في سباق الذكاء الاصطناعي
لم يعد التبريد عنصرًا تقنيًا داخليًا في مراكز البيانات. فقد أصبح عاملًا إستراتيجيًا يحدد قدرة شركات التكنولوجيا على تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي وتوسيع استخدامها.
وتحتاج المرحلة المقبلة إلى تصميم مراكز بيانات أكثر مرونة أمام تغير المناخ. كما تحتاج الشركات إلى حلول تقلل استهلاك الطاقة والمياه، وتحافظ في الوقت نفسه على استقرار الخدمات.
وتكشف موجات الحر أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في بناء نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تقدمًا. فالتحدي الأكبر هو تشغيل هذه النماذج بكفاءة في عالم تتزايد فيه الحرارة عامًا بعد عام.
وفي ظل هذا الواقع، قد يصبح نجاح الذكاء الاصطناعي خلال العقد المقبل مرتبطًا بقدرة مراكز البيانات على التكيف مع المناخ، بقدر ارتباطه بقوة المعالجات وتطور النماذج.








