الذكاء الاصطناعي والعقل البشري… من الأجدر بصناعة الخيال؟

35

AI بالعربي – متابعات 

أخذت فكرة الذكاء الاصطناعي تتكرر في روايات الخيال العلمي، حتى ملأت قصصه صفحات هذا الفن الأدبي، مشكلاً المستقبل إطارها الزمني، والأرض والكواكب والفضاء الخارجي إطارها المكاني، فكان العنصر الأساس في غالبها يعتمد على التكنولوجيا مثل تخيل أدوات قتالية متطورة، وافتراض مبادئ وقوانين ومفاهيم تخالف الطبيعي والمألوف، وتقديم شخصيات خيالية ذات صفات وقدرات خارقة، بحسب ما أفاد موقع The Independent عربية.

الفكرة الأولى

وطرحت فكرة الذكاء الاصطناعي للمرة الأولى عام 1872 في رواية “صموئيل بتلر” الذي قدم مفهوماً واسعاً لروبوتات تتمتع بذكاء شبيه بالبشر وطرح احتمالية تطور وعيها بدرجة تجعلها تنافس البشر أنفسهم وتهيمن في النهاية، ومنذ ذلك الوقت توالت الروايات وتجسيداتها الفنية، لتذهب مخيلة المؤلفين إلى تقديم رسومات ومنحوتات وروايات ومسرحيات وألعاب وأفلام خيالية بدت بعيدة جداً عن الواقع وما نألفه من جهة، والمنطق والإدراك البشري من جهة أخرى، لتظل عشرات السنين ضمن إطار طوباوي، حتى بدأت تظهر إرهاصاتها في عصرنا الحالي بداية 2018، ليتحول مع الوقت ما شاهدناه في أفلام وروايات الخيال العلمي جزءاً من حياتنا اليوم، كما أصبحنا في غاية الاستعداد لنرى ونختبر تجسد مزيد منها، فلا شيء مستبعد بعد اليوم.

الدماغ البشري

يجادل الأغلبية على أن الذكاء الاصطناعي منتج الخيال البشري وطفله المدلل لا يمكن له أن يتجاوزه إلا إذا أصبح يفكر مثله تماماً ويستنبط الأفكار بمعزل عنه، ولكن هناك اختلاف بنيوي كبير بين العقل البشري والنماذج اللغوية الاصطناعية، وهذا الأمر أوضحه الفيلسوف والمفكر الأميركي تشومسكي في مقال نشر في “نيويورك تايمز”، مؤكداً أن على رغم ما تقدمه البرامج الذكائية من فوائد في عدد من المجالات، فإنها تختلف تماماً عن طريقة استخدام البشر للغة وطريقة تفكيرهم، بحسب علم اللغويات وفلسفة المعرفة، وأن العقل البشري لا يعتمد على التهام البيانات الضخمة واستنباط إجابة أكثر ترجيحاً أو أعلى احتمالية، كما برامج المحادثة كـ”تشات جي بي تي”، بل على العكس تماماً فالعقل بنظامه البالغ الدقة والإدهاش يعمل بكميات ضئيلة من المعلومات ويستنبط منها تفسيراته.

من جهة أخرى، يعتقد بعض الباحثين أن نظام الذكاء الاصطناعي الجديد يمكن أن يأتي بإجابات وأفكار لم يتم برمجته عليها وشبيهة تماماً بما ينتجه البشر، أي إن هنالك قدرة لبناء آلة تعمل مثل الدماغ البشري أو حتى أفضل منه، هذه الآلة يمكن أن تغير العالم، لكنها ستكون خطرة بالتأكيد، وهنا يرى الموظف السابق في “غوغل” والمساهم الأبرز في الثورة التكنولوجية التي نعيشها اليوم، جيفري هينتون، أن النماذج اللغوية الكبيرة أسقطت فكرة القدرات السحرية للبشر، بعد تطويرها إلى درجة أصبحت فيها قادرة على التعلم بسرعة هائلة وبكمية أقل من البيانات، إذ تمتلك روبوتات المحادثة القدرة على التعلم بشكل مستقل، وعلى تجميع المعرفة بشكل يفوق قدرة البشر، والأهم من ذلك أنها تمتلك القدرة على مشاركة المعرفة، وهذا يعني أنه بمجرد حصول نسخة واحدة منها على معلومات جديدة، تشاركها تلقائياً مع المجموعة بأكملها.

جيفري، الذي وضع اللبنة الأولى في عمليات تطوير العقول الاصطناعية لا يستبعد أن يصل الذكاء الاصطناعي مرحلة يتمكن فيها من القضاء على البشرية، متخوفاً من أن تستقل هذه الأنظمة بعيداً من أهداف مبرمجيها.

الخيال الاصطناعي

يعرف الخيال الاصطناعي أو خيال الآلة بأنه محاكاة اصطناعية للخيال البشري بواسطة أجهزة الكمبيوتر أو الشبكات العصبية الاصطناعية، وتستخدم أبحاث الخيال الاصطناعي أدوات ورؤى من مجالات عدة، بما في ذلك علوم الكمبيوتر وعلم النفس والفلسفة والمنطق، وكذلك علم الأعصاب والحوسبة العاطفية والعلوم المعرفية واللغويات والفنون الإبداعية وغيرها.

ويقوم الممارسون في هذا المجال بالبحث عن جوانب مختلفة من الخيال الاصطناعي، مثل البصري والسمعي، ونمذجة وترشيح المحتوى بناءً على المشاعر البشرية والبحث التفاعلي من خلال تجميع الصور وتطوير صورة جديدة بغض النظر عن وجودها في العالم الحقيقي أم لا، ويأمل الباحثون في محاكاة بعض السمات البشرية مثل الإبداع والرؤية والفن والفكاهة والهجاء.

ويتم التركيز في قضية الخيال الاصطناعي على مجالين، الأول الأخلاق التي تتدرب الآلات على تعلمها وتقليد الأخلاق البشرية، وعلى رغم أنها تعد من الجوانب المهمة فإن الأبحاث الحديثة حولها تتحايل على تعريفها، والمجال الرئيس الآخر للخيال الاصطناعي هو الذاكرة، إذ يعمل عدد من الباحثين بشكل مكثف عليها، بخاصة البصرية التي تركز بمقارنتها مع الخيال البصري على كيفية فهم الآلة للصور وتحليلها وتخزينها بطريقة بشرية.

راية الخيال

وفي السياق ذاته نجد أن الذكاء الاصطناعي وإن اعتمد على الدماغ البشري كنموذج أساس في المحاكاة والتصميم، إلا أن الإنسان يجب ألا يسعى إلى تخطي قدراته الخاصة أمامه، فلا بد أن تكون الغاية الأولى من كل منتج تكنولوجي أن يسهل حياة البشر، ويجعلها أكثر متعة وراحة بجهد بدني أقل، أما الجهد الفكري فضرورة في كل وقت، وربما تكمن الخطورة تحديداً في استبدال بالعقل البشري آخر شبيه به، ويتعاظم الخطر في حال اعتمد البشر على اصطناعية ذكائية إلى درجة تجعلهم يسلمون عقولهم له، ليتحول العقل الذي أنتجه بقوة الخيال إلى عقل خامل اتكالي يستقي الأفكار والصور والإبداع منه، لندخل في دائرة مفرغة.

فكرة التميز البشري بمجملها تعتمد على الخيال والإتيان بأفكار جديدة مبتكرة، وإذا أخذنا المجال الأهم الذي يعمل ضمنه الخيال البشري، الفنون بأنواعها، فالصحيح أنه وإن كان بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يغير الفن البشري، كما حصل وسيحصل دائماً، إلا أنه لا يمكن له إلغاءه أو إنهاء حضوره، في حال لم يتخل عنه العقل البشري، فهو طريقة الإنسان الأسمى والأقدس في التعبير والإبداع.

والأكيد أن الأسئلة الجدلية ستظل تلح في الفترة المقبلة: هل سيسلم العقل البشري راية الخيال إلى العقل الاصطناعي؟ وهل سننتقل إلى عصر ما بعد الخيال البشري؟

اترك رد

Your email address will not be published.