ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي “1 من 2”

36
أ.د. محمد العسيري

 

نشاهد في واقعنا اليوم أعدادا كثيرة من الابتكارات النوعية التقنية، التي شملت أغلب مناشط وجوانب حياتنا، وعديد منها أصبح من مكامن القوة لمجتمعاتها التي ابتكرتها وأنتجتها واستفادت منها في كثير من المجالات سواء الاقتصادية أو الدفاعية وغيرها، ومن هذه الابتكارات، الرقمية منها، التي أصبحت تشكل ثورة حقيقية ذات أبعاد وآفاق كبرى، وآثارها لم تعد فقط في مستوى مبتكريها أو مجتمعاتهم، بل على مستوى العالم أجمع. وتحدثت في مقال سابق، عن هذه الابتكارات بعنوان، “الابتكار تقنيات إلكترونية رقمية مطورة”، وبشكل عام تحدثت عن عدد من أنواع هذه التقنيات الرقمية، وذكرت منها تلك التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، وتحدثت أن المستقبل التقني القريب، خاصة الرقمي، وفي ظل الابتكارات، يعدنا بكثير من المفاجآت، وأصبحنا بالفعل نسمع بما يسمى الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو محور حديثنا اليوم، ليشمل ماذا نعني به مع استعراض بعض الأمثلة له وذكر بعض الآثار المترتبة من استخداماته سواء كانت هذه الآثار إيجابية أو سلبية.

بشكل مبسط جدا، الذكاء الاصطناعي التوليدي هو مفهوم يشير إلى النماذج اللغوية الضخمة التي تم تطويرها باستخدام تقنيات التعلم العميق لتوليد النصوص بشكل آلي، يتم تدريب هذه النماذج على مجموعة كبيرة من النصوص الواردة في مختلف المجالات واللغات، ويتم استخدامها لتوليد نصوص جديدة تشبه إلى حد كبير النصوص الأصلية، وتستخدم في مجالات مختلفة مثل الترجمة الآلية، وإنتاج النصوص وخدمات الدردشة الحية، وإنشاء محتوى الوسائط الاجتماعية، وكثير من المجالات الأخرى،

ومن أنواع هذه النماذج هو لـ GPT، وهو عبارة عن نموذج ذكاء اصطناعي يستخدم تقنية تعلم الآلة بشكل ضخم جدا، لإنتاج نصوص جديدة، تم تطويره وإعلانه في 2018، بوساطة الشركة الأمريكية “أوبن أيه آي”، تحدثت عن ذلك بشيء من التفصيل سابقا، حيث يعد واحدا من أهم الابتكارات في مجال تعلم الآلة في الوقت الحاضر، حيث يمتلك القدرة على إنشاء نصوص جديدة بطريقة شبه طبيعية، ويتميز بقدرته على فهم النصوص بشكل أفضل ويتم استخدامه في عديد من التطبيقات، بما في ذلك التحليل اللغوي للنصوص والترجمة الآلية وتوليد النصوص والإجابة عن الأسئلة وتحسين خدمات الدعم الذاتي في عديد من المجالات الأخرى، بما في ذلك التعليم والطب والترجمة والأعمال المالية، وفي عديد من المجالات الأخرى التي تحتاج إلى تفاعل بشري متقدم، حيث يمكنه إنتاج نصوص بلغات متعددة وتحليل البيانات اللغوية المعقدة، وفي مساعدة الصوت وتحليل البيانات الضخمة والمحادثات الروبوتية، ويعمل العلماء والباحثون والمطورون من مهندسين في هذا المجال على تحديث وتحسين مثل هذه النماذج بصفة دورية ومستمرة.

هناك عديد من الابتكارات التي تم تحقيقها باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومن أبرزها، تطوير نماذج لخدمات الدردشة الحية، التي تتيح للمستخدمين التفاعل مع الروبوتات الذكية بشكل طبيعي وفاعل، وإنشاء محتوى الوسائط الاجتماعية، حيث يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج المحتوى الذي يتم نشره على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل الصور والفيديوهات والرسائل الترويجية، كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لتطوير برامج التعليم الإلكتروني، التي توفر تجربة تعليمية أكثر فاعلية ومرونة، تلك الابتكارات هي بعض الأمثلة المميزة لاستخدامات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ويمكن أن يكون هناك كثير من التطبيقات الجديدة والمبتكرة في المستقبل.

إلا أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يواجه بعض التحديات والمخاطر من نواح عديدة، سواء كانت أخلاقية مجتمعية، حيث يمكن أن يتم استخدامه في إنتاج المحتوى الضار أو المضلل، أو مشكلات في الإنتاجية والجودة في حالة عدم تدريبه بشكل جيد على مجموعات البيانات المناسبة، أو أمنية من ناحية الاختراقات أو تسريب المعلومات السرية والبيانات وغيرها، الأمر الذي يحتاج إلى قواعد ومعايير وأنظمة تنظيمية وأخلاقيات، لذلك كما أشار إليه كثير من الباحثين والمطورين، وكذلك الشركاء المساهمون بإنتاج مثل هذه النماذج الابتكارية.

قبل نحو عشرة أعوام وفي زيارة سابقة لي إلى كوريا الجنوبية والصين، كان لديهما نماذج مشابهة لمثل هذه النماذج من الذكاء الاصطناعي، وتستخدم كوسيلة للتواصل الاجتماعي وكوسيلة للشراء والدفع مثل وي شات وهي مرتبطة بالحساب البنكي، إلا أنها آمنة بشكل كبير، حيث تتم جميع العمليات هناك من خلال شبكات الاتصالات المحلية، وتتبع الأنظمة والقواعد التنظيمية هناك، وأرى أن الاستفادة من مثل هذه النماذج للذكاء الاصطناعي أصبحت ضرورة، وسيسهم الاستثمار فيه، في تنويع الاقتصاد الوطني وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، خاصة أن هذا القطاع في السعودية يحظى بالاهتمام الكبير في ظل قيادتها، التي تحرص دوما على كل ما فيه رفعة لهذا الوطن والوصول بجودة الحياة فيه إلى أعلى مستوياتها، كما يجب ولتلافي المخاطر والتحديات التي ظهرت في مثل هذه الابتكارات الخاصة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، أن نبدأ ببناء مراكز بيانات ضخمة خاصة بكل قطاع ومجال لاحتواء المعلومات الصحيحة والدقيقة والمحلية، وربطها ببعض كشبكة معلوماتية متكاملة للرجوع إليها عند الحاجة، على سبيل المثال في التعليم، وفي الأبحاث والصناعات التقليدية أو الدفاعية وغيرها، وهي الفكرة نفسها التي طرحتها سابقا بأهمية وجود منصة وطنية موحدة للابتكارات النوعية… يتبع.

المصدر: الاقتصادية
اترك رد

Your email address will not be published.